الشيخ أحمد فريد المزيدي

258

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

في قوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] قال الجنيد : هو الأول بشرح القلوب ، والآخر بغفران الذنوب ، والظاهر بكشف الكروب ، والباطن بعلم الغيوب « 1 » . قال الشيخ الجنيد قدّس اللّه سرّه : بدت لك عجائب ما في الغيوب من أبنائها ، وكشفت لك عن حقائق ما تكنّ من أكنانها ، وأوضحت لك سرّ غرائب إخفائها ، وخاطبتك بكل ما كمن من عطائها ، بلسانه الذي ينطق به عن خفيّ مكانه ، فأوضح منطق يوضح عن حكم بيانه ، ليس بما صرح به من الفصح من لسانه ، لكن بما أوقفه الحق من مراد إعلانه ، وذلك غير كائن قبل حينه وأوانه ، والمراد بفهم ذلك هو المفرد الموجود من أهل دهره وزمانه « 2 » . وقال قدّس سرّه : اعلم أن أول عبادة اللّه عز وجلّ معرفته ، وأصل معرفة اللّه توحيده ، ونظام توحيده نفي الصفات عنه بالكيف والحيث والأين ، فبه استدلّ عليه ، وكان سبب استدلاله به عليه توفيقه ، فبتوفيقه وقع التوحيد له ، ومن توحيده وقع التصديق به ، ومن التصديق به وقع التحقيق عليه ، ومن التحقيق جرت المعرفة به ، ومن المعرفة به وقعت الاستجابة له فيما دعا إليه ، ومن الاستجابة له وقع الترقّي إليه ، ومن الترقي إليه وقع الاتصال به ، ومن الاتصال وقع البيان له ، ومن البيان له وقعت عليه الحيرة ، ومن الحيرة ذهب عن البيان ، ومن ذهابه له انقطع عن الوصف له ، وبذهابه عن الوصف وقع في حقيقة الوجود له ، ومن حقيقة الوجود وقع في حقيقة الشهود بذهابه عن وجوده ، وبتفقّد وجوده صفا وجوده ، وبصفائه غيّب عن صفاته ، ومن غيبته حضر بكليته ، فكان موجودا مفقودا ومفقودا موجودا ، فكان حيث لم يكن ، ولم يكن حيث كان ، ثم كان بعد ما لم يكن حيث كان كان ، فهو هو بعد ما لم يكن هو ، فهو موجود موجود بعد ما كان موجودا مفقودا ؛ لأنه خرج من سكرة الغلبة إلى بيان الصحو ، وترد عليه المشاهدة لإنزال الأشياء منازلها ووضعها مواضعها ؛ لاستدراك صفاته ببقاء آثاره والاقتداء بفعله ، بعد بلوغه غاية ما له منه « 3 » .

--> ( 1 ) انظر : معالم التنزيل للبغوي ( 4 / 293 ) . ( 2 ) انظر : اللمع ( ص 314 ) . ( 3 ) النص من مقطوعة عن نشرة عبد القادر ( ص 51 ، 52 ) ، من المخطوط ( 63 / ق / أ ) - ( 64 / ق / ب ) .